الفيض الكاشاني
189
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
كهفا حصينا وعلى الكافرين غلظة وغيظا » ( 1 ) . وفي كشف الغمّة ( 2 ) قال معاوية لضرار بن ضمرة : صف لي عليّا قال : أعفني ، قال : لتصفنّه ، قال : أما إذ لا بدّ فإنّه واللَّه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، ينفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدّنيا وزهرتها ، ويأنس باللَّيل ووحشته ، وكان غزير الدّمعة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللَّباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب [ 1 ] وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن واللَّه من تقريبه إيّانا وقربه منّا لا نكاد نكلَّمه هيبة له ، يعظَّم أهل الدّين ، ويقرّب المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا يأيس الضعيف من عدله ، فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى اللَّيل سدوله ، وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين وهو يقول : يا دنيا غرّي غيري ، أبي تعرّضت ، أم إليّ تشوّفت ، هيهات هيهات قد أبنتك ثلاثا لا رجعة فيها ( 3 ) فعمرك قصير ، وخطرك كبير ، وعيشك حقير ، آه من قلَّة الزّاد للسفر ، ووحشة الطريق ، فبكى معاوية وقال : رحم اللَّه أبا الحسن كان واللَّه كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذبح ولدها بحجرها فهي لا ترقئ عبرتها ولا يسكن حزنها . * ( فصل ) * ومن مناقب الخوارزميّ عن أبي مريم قال : سمعت عمّار بن ياسر - رضي اللَّه عنه - قال : سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقول : « يا عليّ إنّ اللَّه زيّنك بزينة لم يزيّن العباد
--> ( 1 ) راجع من أول الفصل إلى هنا الكافي ج 1 ص 454 إلى 456 . ( 2 ) ص 23 . ونقله غير واحد من المؤرخين والمحدثين كالصدوق والمسعودي وغيرهما . ( 3 ) كذا في مطالب السئول ص 33 وأمالي الصدوق ص 371 ومروج الذهب ج 2 فصل ذكر لمع من أخباره وزهده عليه السّلام . وفي النهج « قد طلقتك ثلاثا » . [ 1 ] الجشب من الطعام : الغليظ وما ساء منه .